عبد القادر الجيلاني

146

فتوح الغيب

المقالة الخامسة والعشرون في شجرة الإيمان لا تقولنّ - يا فقير اليد ، يا مزويّا « 1 » عنه الدّنيا وأبناؤها ، يا خامل الذّكر بين ملوك الدّنيا وأربابها ، يا جائع ، يا نايع « 2 » ، يا عريان الجسد ، يا ظمآن الكبد ، يا مشتّتا في كلّ زاوية من الأرض من مسجد وبقاع خراب ، ومردودا في كلّ باب ، ومدفوعا عن كلّ مراد ، ومنكسرا ومزدحما في قلبه كلّ حاجة ومرام - : إنّ اللّه أفقرني وزوى عنّي الدّنيا وغرّني ، وتركني وقلاني وفرّقني ولم يجمعني وأهانني ولم يعطني من الدّنيا كفاية ، وأخملني ولم يرفع ذكري بين الخليقة وإخواني ، وأسبل على غيري نعمة منه سابغة يتقلّب فيها ليله ونهاره ، وفضّله عليّ وعلى أهل دياري وكلانا مسلمان مؤمنان ويجمعنا أبونا آدم وأمّنا حوّاء - عليهما السّلام - . أمّا أنت فقد فعل اللّه ذلك بك ، لأنّ طينتك حرّة ، وندى رحمة اللّه متدارك عليك من الصّبر والرّضا واليقين والموافقة والعلم ، وأنوار الإيمان والتّوحيد متراكم لديك . فشجرة إيمانك ، وغرسها وبذورها ثابتة مكينة ، مورقة مثمرة ، متزايدة متشعّبة ، غضّة مظلمة متفرّعة ، فهي كلّ يوم في زيادة ونموّ ، فلا حاجة بها إلى سباطة « 3 » وعلف لتنمى بها وتربى . وقد فرغ اللّه عزّ وجلّ من أمرك على ذلك ، وأعطاك في الآخرة دار البقاء وخوّلك فيها ، وأجزل عطاءك في العقبى ممّا لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . قال اللّه تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ « 4 » [ السجدة : 17 ] .

--> ( 1 ) في المطبوع : ( مولّي ) . ( 2 ) في نسخة : ( يا جائعا ، يا نايعا ) . وناع ينيع : مال . والنوائع من الغصون : الموائل . ( 3 ) السّباطة : الكناسة تطرح في أفنية البيوت . ( 4 ) رواه البخاري ( 3072 ) ومسلم ( 2824 ) عن أبي هريرة رفعه : « قال اللّه عزّ وجلّ : أعددت لعبادي -